الشيخ السبحاني
60
مفاهيم القرآن
بالتربية الإلهية ، وحظي بمؤهلات الحكم والملك ، ولذلك اختاره اللَّه سبحانه ، وإلى هذه المؤهلات أشار القرآن الكريم بقوله : « إِنّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ » . فلا يمكن الاستدلال بهذه الموارد التي اقترنت فيها الملوكيّة بالنبوّة ، والصفات الإنسانيّة العليا الموهوبة من اللَّه سبحانه لهم ، على حسن الملوكيّة وقدرتها على إقامة العدل بين الامّة . وهذا أشبه شيء بالاستدلال بموارد نادرة على طبيعة الحكم الكلّي . أضف إلى ذلك ؛ أنّ من المحتمل جداً أن يكون المراد من الملوكيّة هو مطلق الحاكميّة على الناس ، وامتلاك هؤلاء الأنبياء إدارة أمور الناس ؛ الذي أعطي لهم من جانب اللَّه سبحانه وتعالى . غير أنّ التعبير عن هذه الحاكميّة والامتلاك بلفظ الملوكيّة ؛ إنّما هو لأجل المحافظة على الاصطلاح الرائج بين الناس في موضوع الحاكميّة ، حيث إنّه لم يكن يوجد بينهم أيُّ لون من الحاكميّة إلّا الملوكيّة ؛ فاستعار سبحانه هذه اللفظة للتعبير عن حاكميتهم المعطاة لهم ، مع الفارق الكبير والبون الشاسع بين الحاكميتين والامتلاكين . وبالتالي ، فانّ هذه الملوكية التي وصف اللَّه بها ثلّةً من الأنبياء ، تختلف جداً عن الملكية التي هي محطُّ بحثنا هنا ، فإنّ الملكيّة التي في هذه الآيات ؛ هي ممّا جعلها اللَّه سبحانه لرجل صالح من الأنبياء ، وليست ممّا حصّلت بالقهر ، والتغلُّب بالقوّة على رقاب الناس ، ممّا تتصف بها جميع ملوكيات الأرض . وباختصار : إنّ الملوكية التي كانت للأنبياء ؛ تفترق عن الملوكيات الدارجة المتعارفة - التي يذمُّها اللَّه سبحانه في ما مضى من الآيات في مطلع هذا البحث - في أمرين : الأوّل : اقتران العصمة والصفات الكريمة العليا مع صفة الملوكية في الأنبياء دون غيرهم من ملوك الأرض .